جثامين تنتظر الإنقاذ.. 10 آلاف شهيد تحت الركام والدفاع المدني في غزة يستغيث

جثامين تنتظر الإنقاذ.. 10 آلاف شهيد تحت الركام والدفاع المدني في غزة يستغيث
انتشال جثامين الشهداء في غزة

يعيش قطاع غزة واحدة من أكثر المراحل الإنسانية قسوة منذ اندلاع الحرب، حيث تتحول الأنقاض المنتشرة في المدن والأحياء المدمرة إلى مقابر مفتوحة تضم تحتها آلاف الشهداء الذين ما زالوا عالقين بلا انتشال أو دفن لائق، في مشهد يختزل حجم المأساة التي يعانيها السكان وأطقم الإنقاذ على حد سواء.

وحذر مدير جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة العميد رائد الدهشان في تصريح صحفي نقلته وكالة شهاب الإخبارية، السبت، من أن استمرار منع إدخال الآليات والمعدات الثقيلة يحول دون انتشال نحو 10000 جثة شهيد ما تزال تحت أنقاض المنازل المدمرة، مؤكدا أن الجهاز يمر بأخطر مرحلة في تاريخه منذ تأسيسه.

وأوضح الدهشان أن حرب الإبادة المتواصلة التي تشنها إسرائيل لم تستهدف المدنيين ومنازلهم فحسب، بل طالت بشكل مباشر طواقم الدفاع المدني ومقراته ومعداته، ما أدى إلى شلل شبه كامل في القدرة التشغيلية للجهاز، وأشار إلى أن فرق الإنقاذ تعمل اليوم في ظروف استثنائية تفوق قدرتها البشرية والمهنية، وسط دمار واسع ونقص حاد في كل مقومات العمل الأساسية.

وأضاف أن انتشال الجثث من تحت الأنقاض في قطاع غزة يمكن إنجازه خلال فترة لا تتجاوز 3 أشهر في حال توفرت الإمكانيات اللازمة من آليات ثقيلة ومعدات حديثة، إلا أن استمرار منع إدخال هذه المعدات قد يحول هذه المهمة الإنسانية إلى مأساة طويلة الأمد قد تمتد لأكثر من 10 سنوات، ما يبقي آلاف العائلات رهينة انتظار قاس ومفتوح على الألم والقلق.

أرقام صادمة وواقع مرير

وبيّن الدهشان أن طواقم الدفاع المدني تمكنت منذ بداية الحرب وحتى الآن من انتشال نحو 350 جثة فقط، في مقابل آلاف الجثث التي ما تزال عالقة تحت الركام، وأوضح أن معظم هذه الجثث معروفة الهوية للعائلات التي تعلم تماما أماكن منازلها المدمرة، لكنها تقف عاجزة عن الوصول إلى أحبائها بسبب غياب الإمكانيات.

وأشار إلى أنه في كثير من الحالات لا يتم العثور إلا على بقايا عظام نتيجة مرور الزمن وصعوبة الوصول السريع إلى أماكن الدمار، ما يضاعف من الألم النفسي للعائلات التي تنتظر بفارغ الصبر استعادة جثامين أبنائها لدفنهم وفق الشعائر الدينية.

وكشف مدير الدفاع المدني أن الجهاز فقد نحو 85 بالمئة من معداته خلال الحرب، ويعمل حاليا بطاقة لا تتجاوز 5 بالمئة إلى 7 بالمئة من قدرته الفعلية قبل الحرب، وأضاف أن الجهاز كان يعمل أساسا عند بداية الحرب بطاقة لا تزيد على 45 بالمئة بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 17 عاما ومنع إدخال معدات حديثة ومتطورة.

وأكد أن الطواقم اليوم تضطر للعمل بإمكانات بدائية للغاية، وفي كثير من الأحيان بالأيدي العارية، مشيرا إلى أنه لم يتبقَ للجهاز سوى مركبة إطفاء واحدة ومركبة إنقاذ واحدة ومركبة إسعاف واحدة فقط لخدمة مناطق واسعة ومكتظة بالسكان والدمار.

نزيف في صفوف المنقذين

وفي السياق ذاته، كشف الدهشان أن 142 شهيدا ارتقوا من بين كوادر الدفاع المدني أثناء تأدية واجبهم الإنساني، في حين أصيب 352 آخرون بجروح خطرة أدت إلى خروجهم النهائي من الخدمة، وشملت هذه الإصابات بتر أطراف وإعاقات دائمة وإصابات بليغة غير قابلة للعلاج في ظل الواقع الصحي المنهار في القطاع.

وأوضح أن عدد عناصر الدفاع المدني كان يراوح قبل الحرب بين 800 و900 عنصر، إلا أن هذا النزيف البشري الكبير أحدث خللا عميقا في التوازن المهني والقدرة على الاستجابة السريعة للحوادث، خصوصا في ظل اتساع رقعة الدمار وتعدد مواقع الانهيارات.

وشدد الدهشان على أن طواقم الدفاع المدني في غزة كانت هدفا مباشرا خلال العمليات العسكرية، رغم ما توفره اتفاقيات جنيف من حماية واضحة لفرق الإنقاذ والدفاع المدني، ورغم التنسيق المسبق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومؤسسات دولية أخرى.

وأضاف أن هذا الاستهداف المتكرر أدى إلى فقدان عدد كبير من الكوادر المدربة والمتمرسة، وترك فراغا يصعب تعويضه في ظل الحصار ومنع إدخال معدات التدريب والدعم الفني.

عمل خارج المعايير

وأشار مدير الدفاع المدني إلى أن 17 مقرا تابعا للجهاز في قطاع غزة دُمرت بالكامل، بينها 5 مراكز رئيسية في مدينة غزة شمالي القطاع، مؤكدا أن الجهاز لم يعد يعمل وفق المعايير الدولية المتعارف عليها، بل وفق نمط عمل اضطراري تفرضه الوقائع الميدانية القاسية.

وأوضح أن فرق الإنقاذ تضطر أحيانا لاتخاذ قرارات مؤلمة تتعلق بأولويات التدخل بسبب محدودية الإمكانيات، ما يزيد من العبء النفسي والمهني على العناصر الذين يعملون تحت ضغط هائل.

وفي ملف المباني المتصدعة، حذر الدهشان من خطورتها المتزايدة، لا سيما مع دخول فصل الشتاء وسوء الأحوال الجوية، مشيرا إلى أن عشرات المباني انهارت أخيرا ما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى.

وأوضح أن آلاف الفلسطينيين مضطرون للسكن في مبانٍ مهددة بالانهيار أو في خيام غير آمنة بسبب غياب البدائل، مؤكدا أن الدفاع المدني عاجز عن إزالة هذه المباني أو تأمينها نتيجة النقص الحاد في المعدات الثقيلة والمواد اللازمة للتدعيم.

انتظار طويل وألم مفتوح

تعكس هذه التحذيرات واقعا إنسانيا بالغ القسوة، حيث تعيش آلاف العائلات على أمل انتشال جثامين أبنائها من تحت الركام، في وقت تتراكم فيه الأنقاض وتتعاظم المخاطر الصحية والبيئية، وسط غياب أي أفق قريب لحل جذري.

ويخشى مختصون من أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى تداعيات نفسية واجتماعية عميقة، خاصة مع طول أمد الانتظار وتحول بعض المناطق المدمرة إلى بؤر تلوث وأخطار صحية تهدد الأحياء المجاورة.

يشهد قطاع غزة منذ 07 أكتوبر 2023 حربا مدمرة أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية والمنازل والمنشآت المدنية، وأسفرت عن آلاف الشهداء والمفقودين، ومع استمرار الحصار ومنع إدخال المعدات الثقيلة والآليات اللازمة، تواجه فرق الدفاع المدني صعوبات غير مسبوقة في أداء مهامها الإنسانية، خاصة في ملف انتشال الجثث وإزالة الأنقاض وتأمين المباني المتصدعة.

وتفاقم هذه الأوضاع مع حلول فصل الشتاء يزيد من المخاطر على حياة السكان، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية ملحة للتدخل العاجل وضمان توفير الحد الأدنى من متطلبات الإنقاذ والحماية المدنية في القطاع.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية